السيد محمدحسين الطباطبائي
107
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
ومن هنا يظهر وجه العدول عن نحو قوله : وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ « 1 » وقوله : وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ « 2 » وقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ « 3 » وأمثالها الواردة في كلامه تعالى ، إلى « 4 » قوله : يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مع أنّ المناسب ظاهرا لمقام الربوبيّة التوسعة في عموم العلم وشموله . وكذا العدول عن نحو قوله : عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ « 5 » - إلى قوله - : يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ فإنّ هذا هو الأنسب لمقام الربوبيّة من حيث العنوان ؛ إذ عنوانا « الغيب والشهادة » لا دخالة لهما في التدبير ، بخلاف العلم بما بين يدي المربوب وما خلفه ، وهو ظاهر . ومن هنا يظهر الوجه في تذييله بقوله : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ فإنّ من كمال التدبير أن يجهل المدبّر - بالفتح - بما يعلمه ويريده المدبّر - بالكسر - منه ؛ لئلّا يحتال في التخلّص ممّا يكرهه إلى ما يحبّه لنفسه ، فيختلّ بذلك أمر التدبير ، كجماعة مسيّرين على خلاف مشتهاهم ومرادهم ، فيبالغ في التعمية عليهم ؛ حتّى لا يدروا من أين سير بهم وفي أين نزلوا ، وإلى أين يقصد بهم ، هذا . فبيّن تعالى : أنّ العلم له سبحانه ، وإنّما يحاط من علمه بما يحاط بمشيّته ، فكلّ ما يعلمه عالم منهم - ثمّ يستخدم ذلك العلم في تدبير - فإنّما هو بمشيّته
--> ( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 29 . ( 2 ) . يونس ( 10 ) : 61 . ( 3 ) . آل عمران ( 3 ) : 5 . ( 4 ) . متعلق بقوله : « العدول » قبل أسطر . ( 5 ) . الأنعام ( 6 ) : 73 .